الشوكاني

129

نيل الأوطار

أنه لا يجب على الرجل أن يؤثر زوجته وسائر قرابته بما يحتاج إليه في نفقة نفسه ، ثم إذا فضل عن حاجة نفسه شئ فعليه إنفاقه على زوجته ، وقد انعقد الاجماع على وجوب نفقة الزوجة ، ثم إذا فضل عن ذلك شئ فعلى ذوي قرابته ، ثم إذا فضل عن ذلك شئ فيستحب له التصدق بالفاضل ، والمراد بقوله هكذا وهكذا أي يمينا وشمالا كناية عن التصدق . واعلم أنه قد وقع الاجماع على أنه يجب على الولد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين كما حكي ذلك في البحر واستدل له بقوله تعالى : * ( وبالوالدين إحسانا ) * ( البقرة : 83 ) ثم قال : ولو كانا كافرين لقوله تعالى : * ( وإن جاهداك ) * ( لقمان : 15 ) وأنت ومالك لأبيك ثم حكى بعد حكاية الاجماع المتقدم عن العترة والفريقين أن الام المعسرة كالأب في وجوب نفقتها . ( واستدل ) بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : أمك ثم أمك الخبر . وحكي عن مالك الخلاف في ذلك لعدم الدليل . وأجاب عليه بأن هذا الخبر دليل ، وعلى فرض عدم الدليل فبالقياس على الأب ، ثم قال : وكذا الخلاف في الجد أبي الأب . ثم حكي عن عمرو بن أبي ليلى والحسن بن صالح والعترة وأحمد بن حنبل وأبي ثور أنها تجب النفقة لكل معسر على كل موسر إذا كانت ملتهما واحدة وكانا يتوارثان ، واستدل لذلك بقوله تعالى : * ( وعلى الوارث مثل ذلك ) * ( البقرة : 233 ) واللام للجنس . وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنها إنما تلزم للرحم المحرم فقط . وعن الشافعي وأصحابه : لا تجب إلا للأصول والفصول فقط . وعن مالك : لا تجب إلا للولد والوالد فقط . وقد أجيب عن الاستدلال بالآية المذكورة بمنع دلالتها على المطلوب ، ودعوى أن الإشارة بقوله ذلك إلى عدم المضارة وعلى التسليم فالمراد وارث الأب بعد موته . والأولى أن يقال لفة الوارث فيه احتمالات : أحدها أن يراد المولود له المذكور في صدر الآية وهو المولود وقد قال بهذا قبيصة بن ذؤيب . الثاني : أن يراد وارث المولود وبه قال الجمهور من السلف وأحمد وإسحاق وأبو ثور . الثالث : أن يراد به الباقي من الأبوين بعد الآخر وبه قال سفيان وغيره ، فحينئذ لفظ الوارث مجمل ، لا يحمل حمله على أحد هذه المعاني إلا بدليل ، مع أنه لا يصح الاستدلال بالآية على وجوب نفقة كل معسر على من يرثه من قرابته الموسرين ، لأن الكلام في الآية في رزق الزوجات وكسوتهن ، ولكنه يدل على المطلوب عموم فلذي قرابتك . قوله : تصدق به على ولد ك فيه دليل على أنه يلزم الأب نفقة ولده المعسر ، فإن كان الولد صغيرا فذلك إجماع كما حكاه صاحب البحر ، وإن كان كبيرا فقيل